محمد بن جرير الطبري

389

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال ابن عباس : جاءت الملائكة بالتابوت تحمله بين السماء والأَرض وهم ينظرون إليه ، حتى وضعته عند طالوت . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : لما قال لهم : يعني النبي لبني إسرائيل : وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ قالوا : فمن لنا بأن الله هو آتاه هذا ، ما هو إلا لهواك فيه ؟ قال : إن كنتم قد كذبتموني واتهمتموني إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ الآية . قال : فنزلت الملائكة بالتابوت نهارا ينظرون إليه عيانا ، حتى وضعوه بين أظهرهم ، فأقروا غير راضين ، وخرجوا ساخطين . وقرأ حتى بلغ : وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ حدثني موسى ، قال : حدثنا عمرو ، قال : حدثنا أسباط ، عن السدي ، قال : لما قال لهم نبيهم ما قال لهم : إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ قالوا : فإن كنت صادقا ، فأتنا بآية أن هذا ملك قالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ وأصبح التابوت وما فيه في دار طالوت ، فآمنوا بنبوة شمعون ، وسلموا ملك طالوت . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ قال : تحمله حتى تضعه في بيت طالوت . وقال آخرون : معنى ذلك : تسوق الملائكة الدواب التي تحمله . ذكر من قال ذلك : حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا الثوري ، عن بعض أشياخه أشياخ الثوري ، قال : تحمله الملائكة على عجلة ، على بقرة . حدثنا الحسن ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهب بن منبه يقول : وكل بالبقرتين اللتين سارتا بالتابوت أربعة من الملائكة يسوقونهما ، فسارت البقرتان بهما سيرا سريعا حتى إذا بلغتا طرف القدس ذهبتا . وأولى القولين في ذلك بالصواب ، قول من قال : حملت التابوت الملائكة حتى وضعته في دار طالوت بين أظهر بني إسرائيل ؛ وذلك أن الله تعالى ذكره قال : تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ ولم يقل : تأتي به الملائكة وما جرته البقر على عجل . وإن كانت الملائكة هي سائقتها ، فهي غير حاملته ، لأَن الحمل المعروف هو مباشرة الحامل بنفسه حمل ما حمل ، فأما ما حمله على غيره وإن كان جائزا في اللغة أن يقال في حمله بمعنى معونته الحامل ، أو بأن حمله كان عن سببه ، فليس سبيله سبيل ما باشر حمله بنفسه في تعارف الناس إياه بينهم ؛ وتوجيه تأويل القرآن إلى الأَشهر من اللغات أولى من توجيهه إلى أن لا يكون الأَشهر ما وجد إلى ذلك سبيل . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ يعني تعالى ذكره بذلك أن نبيه أشمويل قال لبني إسرائيل : إن في مجيئكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون ، حاملته الملائكة ، لَآيَةً لَكُمْ يعني لعلامة لكم ودلالة أيها الناس على صدقي فيما أخبرتكم أن الله بعث لكم طالوت ملكا إن كنتم قد كذبتموني فيما أخبرتكم به من تمليك الله إياه عليكم واتهمتموني في خبري إياكم بذلك ؛ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ يعني بذلك : إن كنتم مصدقي عند مجيء الآية التي سألتمونيها على صدقي فيما أخبرتكم به من أمر طالوت وملكه . وإنما قلنا ذلك معناه ؛ لأَن القوم قد كانوا كفروا بالله في تكذيبهم نبيهم ، وردهم عليه قوله : إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً بقولهم : أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وفي مسألتهم إياه الآية على